محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
2
شرح حكمة الاشراق
نفسه وروّح رمسه - المخزون بالعجائب ، المشحون بالغرائب ، وإن كان صغير الحجم وجيز النّظم ، فهو كبير العلم ، عظيم الاسم ، جليل الشّان ، واضح البرهان ، لا نعرف على وجه الأرض ، فيما بلغنا ، كتابا ، في النّمط الإلهىّ والنّهج السّلوكىّ ، أشرف منه وأعظم ولا أنفس وأتمّ ، من شأنه أن يكتب سطوره بالنّور على خدود الحور ظاهرا ، وينقش معانيه بقلم العقل على لوح النّفس باطنا . وهو حكمة الشّيخ واعتقاده ، وعليه اعتضاده واعتماده ، فإنّه خلاصة ما تحقّق عنده من المسائل المبرّاة عن الشّكوك ، ونقاوة أذواقه الحاصلة له في السّير والسّلوك ، وبه وصوله إلى اللّه الكريم وحصوله على ما هو فيه من لذّة النّعيم . ولهذا ما يمدحه في أكثر الكتب والرّسائل ويحيل عليه ما أشكل من المسائل . وذلك لاشتماله من الحكمة البحثيّة على أولاها وأنفعها ، ومن الحكمة الذّوقيّة على أسناها وأرفعها . إذ كان - رحمه اللّه - متبرّزا في الحكمتين ، بعيد الغور فيهما ، لا يدرك شأوه ولا يلحق غوره . وكيف لا ، وقد نطق بأمور شريفة مكنونة وأسرار نفيسة مخزونة ، خلا عنها إشارات من سبقه من الحكماء وتلويحات من تقدّمه من الأولياء . من ذلك علم عالم الأشباح ، الّذى به يتحقّق بعث الأجساد ، بل جميع مواعيد النبوّة وخوارق العادة ، من المعجزات والكرامات والإنذارات والمنامات ، إلى غير ذلك من الأسرار اللّاهوتيّة والأنوار القيّوميّة الّتى لا يكشف عنها المقال غير الخيال ، إذ ليس كلّ العلوم يحصل بالقيل والقال ، بل منها ما لا يحصل إلّا بتلطيف السّر والتّحذير من الأحوال . وعلى هذا نبّه الشيخ الرّئيس [ - بلّغه اللّه منتهى مقامات الأبرار بحقّ المصطفين الأخيار - ] في مواضع من الإشارات ، وكذا في الشّفاء ، والنّجاة ، بقوله : « تلطّف من نفسك » ، وبقوله : « فاحدس من هذا » ، وأمثالهما . وبالجملة ، فإنّ هذا الكتاب هو دستور الغرائب وفهرست العجائب . ولا يعرف ذلك إلّا من تسنّم قلال شواهق هذه الصّناعة بحقّ ، وجرى في ميدانها